مدرسة في قلب تاريخ مشغرة
تحتل مدرسة راهبات القلبين الأقدسين في مشغرة موقعاً خاصاً في ذاكرة البلدة، لأنها ليست مجرد مؤسسة تعليمية معاصرة، بل حضور تربوي يمتد إلى مطلع القرن العشرين. المرجع المؤسسي الأقوى المتاح اليوم هو الموقع الرسمي لرهبنة راهبات القلبين الأقدسين، الذي يدرج مؤسسة مشغرة باسم «N. Dame du Bon Conseil – Collège» ويضع إلى جانبها سنة 1904.
لهذا يعتمد هذا المقال سنة 1904 بوصفها التاريخ الرسمي الأقوى لوجود مؤسسة الرهبنة المدرسية في مشغرة. لكن بعض المصادر المخلّصية والذكريات المنشورة تفتح أسئلة حول مراحل التأسيس والتوسع وإعادة التنظيم، ولذلك تُعرض هنا الوقائع المؤكدة كما هي، مع تفسير مواضع الالتباس بدلاً من دمجها في رواية واحدة غير مثبتة.
الجذور الإرسالية للرهبنة ورسالة تعليم البنات
ترتبط مدرسة مشغرة بتاريخ أوسع للحركة التربوية الإرسالية في لبنان. تذكر الرهبنة أن الآباء اليسوعيين عادوا إلى الشرق سنة 1831، وأن جماعتين نسائيتين نشأتا في بيئة رسالتهم: «المريميات» في بكفيا سنة 1853 و«بنات القلب الأقدس الفقيرات» في زحلة سنة 1857. وفي سنة 1874 اتحدت الجماعتان في معهد واحد حمل اسم رهبنة راهبات القلبين الأقدسين ليسوع ومريم.
توضح الرهبنة أن تعليم البنات كان في صلب الدافع إلى نشأة هذه الرسالة، في زمن كان تعليم الفتيات محدوداً جداً. ومنذ البدايات ارتبط عمل الراهبات بالتعليم المسيحي والتنشئة والتربية، ثم توسع لاحقاً إلى مجالات اجتماعية وصحية ورعوية. بهذا المعنى، فإن وصول الرهبنة إلى مشغرة لم يكن حدثاً منفصلاً، بل جزءاً من انتشار شبكة تعليمية محلية نشأت في القرن التاسع عشر ووصلت إلى قرى وبلدات لبنانية عديدة.
مشغرة وبيئة التعليم الكنسي في مطلع القرن العشرين
تكشف مصادر الرهبانية المخلّصية أن مشغرة عرفت نشاطاً مدرسياً كنسياً منظماً في الفترة نفسها تقريباً. فالسنكسار المخلّصي يذكر أن الأب ميخائيل سرحال، الذي سيم كاهناً سنة 1899، خدم أولاً في مشغرة «كمعلّم وكرئيس في المدرسة ثم ككاهن للرعية»، وبقي في البلدة تسع سنوات. لا يسمّي المصدر تلك المدرسة مدرسة راهبات القلبين الأقدسين، لذلك لا يصح مساواة المؤسستين تلقائياً.
ويذكر المصدر نفسه أن الأب أثناسيوس جامد مارس التعليم في «المدرسة الأسقفية في مشغرة» سنة 1912. وجود هذه الإشارات يدل على أن البلدة كانت تضم أكثر من إطار مدرسي كنسي، وهو أمر مهم لفهم أن عبارة «المدرسة في مشغرة» في المصادر القديمة قد تشير إلى مؤسسات مختلفة، لا إلى مدرسة واحدة بالضرورة.
1904: التاريخ الرسمي لمؤسسة راهبات القلبين الأقدسين في مشغرة
في قائمة المؤسسات المدرسية اللبنانية المنشورة على الموقع الرسمي للرهبنة تظهر مشغرة بوضوح تحت الاسم الفرنسي «N. Dame du Bon Conseil – Collège (1904) – MACHGHARA». وتأتي المدرسة ضمن سلسلة مؤسسات قديمة للرهبنة في لبنان، ما يجعل سنة 1904 مرجعاً مؤسسياً مباشراً لا مجرد تقدير صحافي أو رواية شفوية.
الاسم الفرنسي يعني «سيدة المشورة الصالحة»، وهو الاسم الذي بقي حاضراً في الصيغة الرسمية العربية الحديثة للمدرسة. ومع مرور الزمن شاع أيضاً الاسم المحلي الأبسط «مدرسة راهبات القلبين الأقدسين» أو «القلبين الأقدسين – مشغرة».
الأب نقولا برشا ومدرسة البنات: شهادة أساسية تحتاج إلى قراءة دقيقة
يقدم السنكسار المخلّصي معلومة محورية عن الأب نقولا برشا. فقد وُلد في صيدا سنة 1866، وسيم كاهناً سنة 1894، وخدم في مواقع كنسية مختلفة قبل أن ينفيه العثمانيون إلى بعلبك خلال الحرب العالمية الأولى بسبب علاقته بالدولة الفرنسية. ويذكر السنكسار أنه «في آخر حياته خدم بلدة مشغرة فأصلح كنيستها وأسّس مدرسة للبنات بإدارة راهبات القلبين الأقدسين».
توفي الأب نقولا برشا في مشغرة سنة 1932. أهمية هذه الشهادة كبيرة لأنها تربط بصورة مباشرة بينه وبين تأسيس مدرسة للبنات تديرها راهبات القلبين الأقدسين. لكنها لا تعطي سنة لهذا التأسيس، كما أنها تضعه في «آخر حياته»، أي في مرحلة لاحقة على سنة 1904 التي توردها الرهبنة لمؤسسة مشغرة.
كيف نفهم الفرق بين 1904 ومرحلة الأب نقولا برشا؟
لا تسمح المصادر المتاحة حالياً بحسم العلاقة الدقيقة بين التاريخين. من الممكن أن تكون مؤسسة الرهبنة قد بدأت في مشغرة سنة 1904 ثم شهدت في عهد الأب برشا تأسيس مدرسة بنات بصيغة إدارية جديدة، أو انتقالاً إلى مبنى آخر، أو توسعاً وتنظيماً جديداً. ومن الممكن أيضاً أن يكون المصدران يتحدثان عن مرحلتين أو مؤسستين تربويتين متداخلتين.
هذه الاحتمالات تفسيرية وليست وقائع مثبتة، ولذلك لا ينسب هذا المقال إلى الأب برشا تأسيس مدرسة سنة 1904، ولا يلغي في المقابل شهادته عن تأسيس مدرسة للبنات بإدارة الراهبات. الحسم يحتاج إلى سجلات الرهبنة أو سجلات الرعية والأسقفية التي توضح أسماء أولى الراهبات، مكان المدرسة الأول، وتاريخ بدء كل مرحلة.
ماذا عن الرواية التي تعيد العمر إلى نحو 1924؟
في 7 أيلول 2026 كتب الصحافي غسان حجار في «النهار» عن مدرسته في مشغرة، وقال إنها خرّجت الأجيال على مدى «مئة وسنتين». إذا حُسب الرقم حرفياً من سنة 2026 فهو يقود تقريباً إلى سنة 1924، وهي فترة يمكن أن تقترب زمنياً من السنوات الأخيرة للأب نقولا برشا.
لكن العبارة وردت في مقال شخصي حديث وليست سجلاً تأسيسياً، لذلك لا تُستخدم لتعديل التاريخ المؤسسي 1904. قيمتها أنها تحفظ ذاكرة الخريجين وتؤكد الإحساس بأن المدرسة مؤسسة عريقة تتجاوز القرن، كما أنها تذكّر بوجود فجوة توثيقية بين التاريخ الرسمي للرهبنة وبعض الروايات المحلية اللاحقة.
الاسم والهوية الإدارية الحديثة
يظهر في دليل المدارس لدى المركز التربوي للبحوث والإنماء أن الحضور المدرسي للرهبنة في مشغرة يعمل اليوم عبر وحدتين تربويتين تحملان الهوية نفسها والعنوان ورقم الهاتف نفسه تقريباً. الأولى هي «أم المشورة الصالحة لراهبات القلبين الأقدسين»، والثانية «تكميلية راهبات القلبين الأقدسين».
يساعد هذا التقسيم الإداري على تفسير تعدد الأسماء المتداولة تاريخياً وحديثاً. فـ«سيدة/أم المشورة الصالحة» هو الاسم المؤسسي المرتبط بتقليد Notre Dame du Bon Conseil، فيما يبقى اسم «راهبات القلبين الأقدسين» الهوية الأشهر محلياً للرهبنة والمدرسة.
المدرسة في دليل المركز التربوي: وحدتان وأرقام حالية
يسجل المركز التربوي الوحدة الخاصة المجانية «أم المشورة الصالحة لراهبات القلبين الأقدسين» تحت رقم المدرسة 5320، وهي مدرسة مختلطة في مشغرة على الطريق العام، ولغتها الأجنبية الأولى الفرنسية. ويورد الدليل 14 شعبة موزعة على الروضة والحلقتين الأولى والثانية، مع 294 تلميذاً في البيانات المعروضة. كما يسجل 19 من المعلّمين والإداريين في الملاك و6 بالتعاقد، ويذكر 8 من أفراد الهيئة التعليمية المجازين.
أما «تكميلية راهبات القلبين الأقدسين» فتحمل رقم المدرسة 7823، وهي خاصة غير مجانية ومختلطة، وتضم الحلقة الثالثة، مع شعب بالفرنسية والإنكليزية. ويورد الدليل 6 شعب و92 تلميذاً، مع 6 من المعلّمين والإداريين في الملاك و13 بالتعاقد، و15 من أفراد الهيئة التعليمية المجازين. وتشترك الوحدتان في رقم الهاتف 08-650188 وفي موقع مشغرة – الطريق العام، ما يؤكد ارتباطهما العملي بمؤسسة تربوية واحدة ذات تنظيم إداري متعدد.
أرقام من مرحلة سابقة من تاريخ المدرسة
يعطي جدول نشرته «الدولية للمعلومات» ضمن دراسة عن المدارس الخاصة المجانية صورة عن مرحلة سابقة من حجم المدرسة. ففي صف «أم المشورة الصالحة لراهبات القلبين الأقدسين – مشغرة» سُجل 345 تلميذاً و26 أستاذاً وإدارياً، موزعين وفق الجدول بين 21 في الملاك و5 في التعاقد أو التقدمة.
لا ينبغي مقارنة هذه الأرقام مباشرة ببيانات المركز التربوي الحالية من دون مراعاة اختلاف السنة والتقسيم الإداري والمراحل التعليمية. أهميتها أنها توثق أن المدرسة كانت، في مرحلة سابقة أيضاً، مؤسسة تعليمية كبيرة نسبياً ضمن البقاع الغربي.
1997: مشروع عمراني واسع للمدرسة
يوثق مكتب Fouad Hanna & Associates مشروعاً باسم «SSCC – Collège des Saints Cœurs – Machghara» سنة 1997، لصالح رهبنة راهبات القلبين الأقدسين. يحدد المصدر مساحة تقريبية تبلغ 15,000 متر مربع، ويصنف المشروع تربوياً لمرحلة الروضة والمدرسة الابتدائية.
يذكر المصدر أن التصميم المعماري يعود إلى AAA – Atelier des Architectes Associés، وأن مكتب Fouad Hanna تولى الدراسة والإشراف الميكانيكيين. هذه المعلومات تثبت وجود مشروع بناء أو تطوير كبير سنة 1997، لكنها لا تكفي وحدها للقول إنه تاريخ انتقال المدرسة إلى مبناها الحالي أو افتتاحه؛ لذلك يُسجل هنا كمشروع عمراني موثق لا كواقعة افتتاح نهائية غير مثبتة.
نشاط ثقافي وتربوي يتجاوز الصف
يحفظ أرشيف جريدة «النهار» في مكتبات الجامعة الأميركية في بيروت خبراً منشوراً في عدد 29 حزيران 1999 بعنوان «أشغال للتلامذة في القلبين الأقدسين – مشغرة». لا يوفر الفهرس المفتوح تفاصيل النص الكامل، لكنه يوثق استمرار النشاط المدرسي والثقافي في نهاية التسعينيات.
وفي سنة 2015 وثق مركز التربية الدينية التابع للرهبنة مشروعاً مشتركاً بين «القلبين الأقدسين – مشغرة» ومدرسة الحسين – سحمر التابعة للمبرات. بدأ البرنامج بلقاء مندوبين من المدرستين في 17 تشرين الأول 2015 ضمن مشروع حول الرحمة، وتضمن تعارفاً وعملاً ثنائياً وإعداداً للقاءات مشتركة. وتبرز هذه المبادرة دور المدرسة كمساحة لقاء تربوي واجتماعي عابر للبيئات الدينية في البقاع الغربي.
حضور المدرسة في الحياة العامة للبلدة
في 11 كانون الأول 2024 ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام الأم كوليت مغبغب بصفتها رئيسة ثانوية راهبات القلبين الأقدسين في مشغرة، ضمن المشاركين في قداس الشكر لعودة أهالي البلدة. وجود إدارة المدرسة في مناسبة عامة من هذا النوع يوضح أن المؤسسة ليست معزولة عن محيطها، بل جزء من النسيج الاجتماعي والديني والمدني لمشغرة.
وتؤكد شهادات خريجين منشورة أن المدرسة خدمت أجيالاً من أبناء المنطقة، وأن قيمتها في الذاكرة المحلية ترتبط بالتعليم وباللقاء والانفتاح بقدر ارتباطها بالهوية الرهبانية التي أسستها وحافظت عليها.
الحرب والأضرار: فصل حديث في تاريخ المدرسة
في مادة نشرتها رهبنة راهبات القلبين الأقدسين سنة 2026 بعنوان «في قلب الألم يولد الرجاء»، شرحت المدرسة أن القصف الذي استهدف المنطقة المقابلة لها تسبب بأضرار مادية جسيمة طالت الفصول الدراسية والمعدات وشبكات الكهرباء والمساحات التعليمية، وهدد ظروف التعلم.
بحسب المصدر نفسه، شارك قدامى التلامذة في أعمال التنظيف والحد من آثار الدمار، فيما واصلت راهبات الرهبنة متابعة المدرسة وتقديم الدعم المعنوي بعد القصف. كما عملت الرئاسة العامة على البحث عن مصادر تمويل لضمان الاستمرارية، ولا سيما رواتب المعلمين، وأشارت المدرسة إلى التزام بلدية مشغرة بالمساهمة في ترميم الأضرار الكبيرة بعد انتهاء الأعمال الحربية.
وقّعت المادة مديرة المدرسة الأخت كوليت مغبغب، وقدمت استمرار المدرسة بوصفه دفاعاً عن رسالة تربوية عمرها أجيال، لا مجرد صيانة لمبنى متضرر.
«مدرستي»: شهادة خريج على معنى المؤسسة
في مقال «مدرستي» المنشور في «النهار» في 7 أيلول 2026، استعاد غسان حجار علاقته بالمدرسة من موقع الخريج، وربط بين ذاكرة الطفولة والشعور اللاحق بالانتماء والمسؤولية تجاه المؤسسة. كما توقف عند الأضرار التي لحقت بها والحاجة إلى تأمين استمراريتها.
أهمية الشهادة بالنسبة إلى تاريخ مشغرة لا تكمن في تحديد سنة التأسيس، بل في وصف الدور الذي أدته المدرسة في دفع أجيال إلى مجالات الحياة المختلفة، وفي بقائها مساحة للعلم والعقل واللقاء والانفتاح والإنسانية رغم التحولات والحروب.
مكانة المدرسة في تاريخ مشغرة
من خلال مجموع هذه المصادر، تظهر مدرسة راهبات القلبين الأقدسين واحدة من أقدم المؤسسات التربوية المستمرة في مشغرة. بدأت رسالتها في زمن كان تعليم البنات أحد الأهداف المركزية للرهبنة، ثم تطورت إلى مدرسة مختلطة ذات مراحل ووحدات إدارية متعددة، وبقيت جزءاً من الحياة اليومية لأهالي البلدة والمنطقة.
كما تكشف قصة المدرسة عن تاريخ أوسع لمشغرة نفسها: تعدد المؤسسات الكنسية والتعليمية في مطلع القرن العشرين، التفاعل بين الرهبانيات والرعية والمجتمع المحلي، التوسع العمراني والتربوي، التعليم المشترك بين أبناء بيئات مختلفة، ثم تحدي الحفاظ على المؤسسات المحلية في زمن الأزمات والحرب.
ما الذي ما زال يحتاج إلى توثيق أرشيفي؟
رغم وفرة المصادر، تبقى أسئلة لا يجوز حسمها من دون وثائق أولية: من هن أولى الراهبات اللواتي وصلن إلى مشغرة؟ من طلب افتتاح المؤسسة سنة 1904؟ أين كان أول مبنى؟ ما العلاقة الدقيقة بين مؤسسة 1904 والمدرسة التي ينسب السنكسار تأسيسها إلى الأب نقولا برشا؟ ومتى ظهرت الوحدتان الإداريتان الحاليتان؟
كذلك يحتاج الربط بين مشروع 1997 والمبنى المدرسي القائم اليوم إلى مخططات أو سجل رسمي من الرهبنة. وسيبقى هذا المقال مفتوحاً للتحديث إذا ظهرت سجلات الرهبنة، وثائق الرعية، صور قديمة مؤرخة، سجلات مدرسية، أو شهادات موثقة من خريجين وراهبات سابقات.
