في ذكرى أربعين الموسيقار الراحل زكي ناصيف
نصري الصايغ

يا فم الذهب  ...

أتلو عليكم، مقطوعات من سيرته، كما عرفتها:

هنا، في هذه الكنيسة، سمعته يعلق المسيح على خشبة.
أيّ حزن يتألق إلى مصاف الجلجلة؟
لماذا يتحوَّل الصلب إلى متعة ترتشفها بأذنيك؟
ما هذا اللحن يُسكب على الجرح فيلْمسُك الوجع بصوته؟

هنا، في هذه الكنيسة، وقد كنتُ فتى، رأيتُ المسيح على خشبته، يصغي إلى زكي ناصيف... رأيته، وقد شُفي من ألَمِه، ينزعُ المسامير من أطرافه، يتَّشِحُ بفرح الأطفال، ويدنو من زكي وهو يُتمتمُ بصوتٍ حبيب: "هذا هو زكي الحبيب، فله اسمعوا".
وجلس المسيح معنا، جلس إلى جانب كلّ واحدٍ منا... أطال الإصغاء، طلب من أمّه مريم أن تختصر الأحزان، ثم وقف وقال: يا بنيّ، استعجل الألم، أسرع إلى القيامة. فرتّلَ زكي "فأرنا قيامتك المجيدة"، وصدحت الحناجرُ، وهتف الجميعُ: "المسيح قام من بين الأموات".

ولا أعرف إن كان ذلك اليوم، يوماً للنذوز، فقد نُذِر صوت زكي للفرح: فَرِح غناؤه، فرح إيقاعه، فَرِح لحنه، فَرِح حزنه.
فيا زكي، كم ستكون السماء أكثر فرحاً!
إنك تُضيف إليها جوقةً حَمَلْتَها في حنجرتك، ولَمْسِ أصابعك، وهَمْس كلماتك.
إنَّ السماء، أجمل بكثير مما كانت عليه بالأمس، هاهي ترتل لك: يا هلا... يا هلا... كأنها تصلي: هللوليا... هللوليا.  

أتلو حكاية رواها لي:
"عينُ الشحلي" لا تستحي بمائها. لا تخجل من صوتها، تُغني على هواها، وتفرش ماءها أمام زوارها...
كانت العين، على مرمى النافذة من بيته... لبلد كان يسرقُ العين، ويصغي إلى ما تقوله فيثرثر لها دندنة.
"عين الشحلي" تحتفي بروادها يؤوب إليها المكاريين بعد سفر إلى الجليل والجولان وحوران والجليل، وبلاد مسحورة بالبرتقال والقمح... والدبكة التي تفوح من خبطتها رائحة الأرض.
ينتظر زكي سهراتهم. يُسامرهُم طفلاً. يصغي إلى غنائهم وحدائهم ومواويلهم، فتسهر مشغره ويحلم زكي حتى ثمالة الصباح. يفرغ الأكارون أفراحهم وحكاياتهم وقممهم، فيلتقطها زكي، يحفظها، ويعيد غناءها. فكل يوم عرس يمتدّ من الجليل إلى مشغره.

لم يلمَّ عويلاً. لم يلتفت إلى بكاء. مؤمن بالبشارة، فكانت حنجرته صوتاً، تظن أنه ماء يتفجر ينبوعاً، يُطهِّر الأرض من الدموع، انه أرض تشقّ عشباً، انه سماء تشتعل أقماراً، انه حبّ لا يفطمه عمر.
لغيرهِ أن يندب... له منصة الأعراس.
وهاهو اليوم، تفرح به الملائكة، تتلو موسيقاه: جوقة الساروفيم على يمينه، وجوقة الشيروبيم على يساره، وهو يقود الأوركسترا...
إن السماء الآن ترقص على إيقاعه.
فما أجملها... عندما استعارت منك لغتها. 

وأتلو حكاية أخرى أسرّها إلي:
نصّان من جبران خليل جبران كي تغنيهما سيرة ملائكة الأرض بصوت فيروز.

قال: أتعبني التلحين. كيف أخرج من أحزان "يا بني أمي" الفاجعة في لبنان أكبر من الكلمات ونص جبران مأساة تروي ويلات أمة غرقت طوائفها بالدم. كيف يفرح، و"الويل لأمة تكثر فيها طوائفها ويقل فيها الدين... والويل لأمة كل ينادي أنا أمة".
يكره البكاء والندب. فقرر أن يدمج النصين، قال: سأجعل من الحزن الجبراني، رحماً، مخاضاً، تولد منه القيامة... يولد منه الصوت...
وألف زكي نصاً موسيقياً يترقرق على ضفاف الأحزان ويستعجل الذهاب إلى المستقبل.
وحصلت المعجزة على يديه... "يا بني أمي"، حزن على جلجلة لبنان، تمسحه لحظة القيامة إلى سلامه.
فما أروع إبداعك... تزحزح الحجر... تحوَّل الرثاء إلى عرس، أطيب من خمرة تسكب في كؤوس قانا.  

وأتلو حكاية رواها لي الروائي حليم بركات.
يقرع زكي ناصيف بابي في عين الرمانة، ويقول للعروسين الجديدين، لم أشتر لكما هدية، ولكنني ألّفت لكما أغنية.
ويقول حليم في اغترابه البعيد، كلما اشتد بي الحنين إلى بلادي أتدفأ على صوت زكي. وحده ينقلني إلى فرح الصبيان.
ثم تدمع عيناه.
أسأله: أتبكي؟
يجيب: من فرح المعجزة. 

هنا، في هذه الكنيسة، أيقونة لزكي. هل تسمعون صورتها؟ هل رسمتم صوتها؟ إنها تسكن هنا، معتّقة مع كل مناولة، فخذوا واسمعوا هذا الصوت... إلى دهر الداهرين.
هو ذاهب من هنا؟
لا.
عزاؤنا انه الباقي هنا وهناك وهنالك. دائماً... انه الباقي، وغيره يرحل.
فطب إقامة بيننا وطوبى لك بينهم. يا قديس الصوت واللحن والكلمة.

       يا فم الذهب. 

نصري الصايغ