قمر مشغرة بكى موسيقيّ الارض والانتماء ومغنّي الرقة والجمال
جورج كعدي
رددت الاجيال اغانيه. حفظت ملامح وجهه
الطيب، الدائم الابتسامة، الداعي الى الحب والفرح. الدمث، الرقيق، الشفيف، المثقف
والملتزم، كان في صلب النهضة الموسيقية، بل ركنا من اركانها ورائدا من روادها. حمل
معه من مشغرة وقمرها المعلق بدرا في سمائها انتماءه الاصيل الى الارض والناس
والتراث، وعشقه للقرية المزهوة بالوانها وشجرها ومائها وحجارة بيوتها العتيقة.
على ضفة بحيرة القرعون ولد زكي ناصيف في الرابع من تموز 1916 في العائلة الكبيرة التي تضم الى الوالدين اربعة اشقاء وشقيقتين، ونشأ على حب موسيقى النهضويين والرواد الاوائل الذين كان والده التاجر بين مشغرة والشام يأتيه باسطواناتهم، زمن الفونوغراف ذي البوق، فكان زكي يستمع شغوفا الى اغاني الشيخ سلامة الحجازي والسيد درويش والشيخ يوسف المنيلاوي، في عشرينات القرن الفائت، وفي زمن لاحق اغاني محمد عبد الوهاب وام كلثوم ورواد آخرين في الغناء العربي الاصيل. واذ كان زكي ناصيف الفتي هجر مقاعد الدراسة عام 1934 لاسباب صحية (كان يتلقى علاجا بأبر الكالسيوم) ولتعرضه لكسر في رجله رافقته آثاره طوال حياته، ظل، على ما يروي، بلا هدف محدد في حياته، معززا ولعه بالموسيقى، خاصة لدى تلقيه عودا هدية من جاره جورج مزهر. وعام 1936 شجعه شقيقه الاكبر على دراسة الموسيقى عقب مرحلة من مزاولة التجارة مع والده في شارع الاوروغواي، خلف الريفولي، وكانت العائلة انتقلت للاقامة في المنزل الذي اشتراه والده في منطقة بدارو، يوم كانت ضواحي بيروت احراجا وبساتين قبل ان تغزوها بنايات الاسمنت العالية.
بين الفن وتجارة والده وصناعته (دباغات الجلد التي اشتهرت بها مشغرة) اختار زكي ناصيف في النهاية درب الفن والموسيقى. وقبل الالتحاق بالمعهد الموسيقي التابع للجامعة الاميركية في بيروت والذي كان يدرّس فيه اساتذة موسيقى روس، كانت لزكي الموهوب بالفطرة وغزارة السماع محاولات تلحين بسيطة، واول الالحان التي وضعها كان نشيدا مدرسيا لمدرسته الاولى، المخلّص، من كلمات استاذ فيها يدعى مخايل صوايا، من الشوير. وكان عهدذاك متأثرا بالحان متري المر الكنسية. فالالحان الكنسية (السريانية والبيزنطية) كانت منطلقه الاول، مثلما كانت للاخوين رحباني.
مسار زكي ناصيف الاحترافي بدأ مع دخوله اذاعة الشرق الادنى. وفي تلك الفترة تعرّف الى حركة موسيقية نهضوية مع شباب من بيروت، بينهم خليل مكنية، خال الموسيقي توفيق الباشا، فأنشأوا معا فرقة جوالة تقدم عروضها الموسيقية في مناطق الاصطياف، وضمت في من ضمت محيي الدين سلام وسامي الصيداوي وعازف الترومبيت خليل خديج. ثم عرّفه الاخوان رحباني الى مدير اذاعة الشرق الادنى صبري الشريف فانجز للاذاعة لحنه الاول من كلمات محمد يوسف حمود.
قبل انطلاق الاغنية البلدية والالحان الفولكلورية اللبنانية كان الغناء باللهجتين المصرية والبدوية شائعا ومسيطرا، ولأن صبري الشريف كان يشجع الابداع المحلي والتجديد الموسيقي دعم التوجهات الموسيقية الجديدة للاخوين رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبة وعفيف رضوان ومحمد محسن وآخرين، وتأسست آنذاك "عصبة الخمسة" التي هدفت الى مواجهة النمط الشائع في الغناء والموسيقى، وكان زكي ناصيف ركنا اساسيا فيها. بيد ان اذاعة الشرق الادنى توقفت عن العمل عام 1956 اثر العدوان الثلاثي واستقال العاملون فيها، ومعظمهم فلسطينيون، احتجاجا. فظهر الثري بديع بولس الذي اسس استوديو بعلبك وتبنى البرنامج البلدي الذي قدمته "العصبة" في بعلبك عام 1957 مطلقة الليالي اللبنانية الاولى في المهرجانات الدولية بالعمل الفولكلوري "عرس في الضيعة"، وفيها نالت اغنيتا زكي ناصيف بصوت وديع الصافي "طلّوا حبابنا طلّوا" و"يا لا لا عيني يا لا لا لا" نجاحا كبيرا وذاعت شهرتهما.
القرية مصدر اساسي في اغنية زكي ناصيف. ففي اللون البلدي معاني الشهامة والاباء و"العونة". حملت اغانيه قيم الريف وخيراته وجماله وطيبة اهله. منه استمد ايضا النزعة الى تمجيد الارض والوطن. في تلك الاغاني رائحة المواسم والحقول والفلاحين واعياد الفرح. بقي زكي ناصيف حتى آخر لحظة من عمر عطائه المديد متحصنا بأخلاق القرية وقيمها، عميق الجذور بتراب بلدته التي هجرها الى المدينة فتى وظلّ متكرر العودات اليها. وليس ادل على قوة هذه الجذور وهذا الانتماء الاصيل اكثر من عناوين اغانيه المتأرجحة بين جمال ارض الوطن والرهافة الرومانسية الحالمة: "دبكة المواسم"، "هيهات يطلّوا"، "بلدي حبيبي"، "حكيت نجوم الليل"، "ايامنا حكايات"، "حين اقبلت يا منى"، "تسألني الحسناء"، "نزلت تتنقل"، "اشتقنا كتير"، "خيام الهنا"، "ما نسي العرزال"، "درب الوادي"، "ناداك عبير زهورنا"، "فوق جبالنا"، "صبّحنا بفجر العيد"، "علّي يا سنابل"، "ميلي يا جنات بلادي"... نماذج من مئات الاغاني التي وضع الحانها وانشد بصوته البلبلي الكثير منها.
امس غاب زكي ناصيف فبكاه قمر مشغرة.
جورج كعدي