نديم محسن. النهار في 6//9/2005

لكثـــــــــــــرة مـــــــــــا غنّيــــــــــــــــــــتَ !
ا

 لكثرة ما غنّيتَ النسائم، هذَّبْتَنا! ما التقيتُ أحدًا وكنتَ ثالثَنا إلاّ سمعتُ محدّثي أو محدّثتي تصفك بالوجه الطفوليّ. كيف انطبع القلب على المُحَيّا بمثل هذا الوضوح؟ وكيف توقّف العمر عند مطلّ الطفولة؟ لعلّها النفس السمحاء، لعلّه الفكر الحيّ، أو لعلّها الخميرة. يجذبنا الكثير من الأدب والشعر والمسرحيّات والموسيقى والأغاني واللوحات والمقالات، ولكن عند التعرف الشخصيّ إلى مبدعيها في أحيان كثيرة، كم تكون صدمةٌ: ان بين الشِعر والشاعر هوّة، أو بين القصّة والقاصّة هاوية، أن بين الفعل والفاعل علاقة نقيض بنقيض. أمّا أنت فمن القلّة التي هي ونتاجها مدخل إلى بعضهما وما الفاصل إلاّ مرايا من أثير. ولكثرة ما غنّيتَ الفجرَ، أحيَيْتنا! كانت الموسيقى المَشرقيّة في فترة طغيان المدرسة الموسيقيّة المصرعربيّة التقليديّة تُدَرِّج نوتاتِها صعودًا ونزولاً بتوقّع مسبق، فإذا بك تخضّ ركود الموسيقى المَشرقيّة وتفتح أقنيتها الجديدة، فتكسر التوقّع بالمفاجأة، لتتميّز نغماتُك بالمسافات الصوتيّة، وشهقات النداء من دون صراخ، والعنفوان من غير ضجيج، أو الهدوء من دون انكسار، والرهافة من غير برودة. كلّ ذلك بحُنوّ موسيقيّ آسر، أيّها الحنون حتّى انتهاء الواو. الكلّ يعرفك بالفولكلوريّ الأوّل، ولكنّ الصحيح كذلك أنّ نتاجك بشقّيه المحدث والكلاسيكيّ هو أيضًا فتّان. إنّ المَشرق معك، عاد إلى نفسه ونغماته السريانيّة والآراميّة والبيزنطيّة مدنيًّا، ليضمّ إذذاك براحتين ممدودتين واثقتين الألوان الفنّيّة من جبال أرمينيا والروسيا إلى وادي النيل. وحين كادت الدلعونا أن تسقط رهينة الدلع والمنطق التسطيحيّ، عاد تصويبك ليقترح علاقة الدلعونا بالـ"عونه" وبتأثير اللفظ الآراميّ عليها. فمن العونة المعروفة في القرى والمشاركة في رصّ الأسطح، توالدت الدلعونا والدبكة وتساكَبتا صوتًا وجسدًا. "يلّي تحبّونا يلاّ معانا، ندبك دلعونا وأبو الميجانا". قلتَ "معانا" ولم تقل "معنا"، وللعارفين بلهجة مشغرة وبعض القرى المحيطة، أن يتيقّنوا كم أنت صادق ووفيّ للهجةٍ لا تحتمل التحريف، لأنّك أنت المَن لا يتحمّل الإدّعاء والإصطناع. ولكثرة ما غنّيتَ الطبيعة، أنْسَنْتَنا! فكم اتّسعتْ أغانيك للقرى كلِّها، وكم علّقتَ أدراجًا بين بيوت وعرائش ورششتها فوق قمم وعزّ على مدى أسطر فقط. كم كنتَ تكثّف الوجود إدهاشًا تصويريًّا وتركّز المعاني والرموز فتحًا نفسيًّا في قليل الدقائق المتمايلات. وإذا كان اللحن دومًا أقرب إلى الإنسان من الكلمة، لأنّنا نصوّت قبل أن نتكلّم، فإنّ شِعرَك هو جنديُّك المجهول، وصوتك الدليل. اياً يكن موضوعُك، فإنّ توقيعَك هو في تعاشق المفردات والمعنى. أدّعي، بل أشهد، أنّني وأخوتي كنّا منذ الصغر، وبالفطرة أو ربّما بفعل الخميرة ذاتها، نعرف جذلين أيّ أغنية تنتمي إليك وإن سمعناها على أثير إذاعة لبنان للمرّة الأولى. وأشهد أنّ ذلك ليس فطنة منّا ومن الكثيرين ممّن مرّوا في التجربة ذاتها، بل مردّه سحر مدرستك الفنّيّة وقوّة شخصيّتها. ولكثرة ما غنّيتَ الفرح، جدّدتنا! لا أدري إن كان العمّ المربّي الأمين إميل، رفّول امتدادَك الشِعريّ أو كنتَ أنت بُعدَه، ولكنّها الخميرة، حتمًا الخميرة! فالأستاذ إميل الصارم في إتقانه العربيّة وتوصيلها على مدى أجيال، ينفتح شعرًا على رطوبة وليونة أخّاذتين تنسجمان مع تدفّقك. كم غنّيتما المفاهيم ببساطة السواقي: "بلادي خلقت فكره وكلمه/ ما أحلاها منحياها"، فما قيمة المبادئ والتعاليم والأفكار والعلوم والفنون الجميلة إن لم تكن ممارسة يوميّة إجتماعيّة سياسيّة مهنيّة عاطفيّة دائمة ومتكاملة؟ و"حلوه حلوه حكايتنا/ وأحلى منها غايتنا/ نخلّي قلوب تصافي قلوب/ وتتغنّى بمحبّتنا"! ما كان فنّك يومًا من دون غاية وأهداف، ولكن في الوقت نفسه ما كان يومًا "بروباغاندا" مظاهراتيّة أو حزبيّة ضيّقة. كم أنشدتَ لبنان وهدهدته، لبنان المنفتح لا المنعزل، الروح لا الطوائفيّة، الخلاّب لا الجلاّد، الكبرياء لا التكبّر، النموذج المرجوّ لا المسطرة المُحاكة، القيامة لا الطقوس، الحياة لا الكيان. فكأنّك في الصدح صدى جبران في "لكم لبنانكم ولي لبناني". ولكثرة ما غنّيتَ بلادنا، أنهضْتَنا! أيّها المناضل! ولا يتفاجأنّ أحد من الحضور الكرام من كلمة مناضل. فمثلما البلدان التي تسلّم أمرها لأنظمة سياسيّة دينيّة فاسدة، ترتع فيها مافيات السّياسة مع مافيات الأمن مع مافيات المال، فتخسر البلاد كلّما تحالف المافيويّون وتآلفوا، وتخسر البلاد كلّما تذابحوا وتناهشوا، كذلك ترتع فيها مافيات الفنّ! وكما في السياسة والإقتصاد إقطاع عائليّ يستأثر ويعتدي ويتوارث، كذلك في الفنّ إقطاع سياسيّ وعائليّ! إنّ الحصار الذي رماه عليك مافيويّو الفنّ وإقطاعيّوه في الخمسينات والستّينات والسبعينات حاول أن يحدّ من انتشار أغانيك وأن يمنعها من الوصول إلى الطيّبين والطيّبات، ولكنّك الماء حتّى انهمار الألف، فكيف لأيّ طاغية أن يمنع بياض جبل الشيخ من التفجّر والإنسياب؟ ذكرتَ مرارًا أنّ سعاده حين التقاك في أواخر الأربعينات وأُعجِب بموهبتك، عبّر لك عن أنّ بلادنا تحتاج إلى أغاني فرح وعزّ وعنفوان وثقة وجمال، وأنْ يكفيها نواح وبكاء وندب للهجران. وذكرتَ كيف أشعلك الرأيُ ذاك وغيّر نظرتَك إلى الفنّ ووجّهك في مسار اختصرتَه في ما بعد بالقول "مهما يتجرّح بلدنا/ منلمّو ولو كنّا قلال/ قلال ولكن ما تعوّدنا/ نبكي ونندب ع الأطلال". وحين تمزّق الملهم المحرّض رصاصًا على رمال بيروت، فاض العمّ إميل كلماتٍ وأنت ألحانًا، في "ما نسي العرزال" و"حكيِت نجوم الليل" و"مشتاق ليك الحيّ"، و"إيّامنا حكايات" و"ناداكَ عبير زهورنا"، في مناجاة خلف مناجاة خلف مناجاة. و"...وحدك من بين السمّار/ تلهمنا غناني وأشعار/ وبتلوّن حاراتنا... وبعدك يا قمرنا عالي". ولكثرة ما غنّيتَ القمر، أغْنَيْتَنا! أيّها المناضل! ولا يتفاجأنّ أحد من الكلمة التي لكثرة ما استُغِلّت وحُقِّرت باتت تهمة ومهزلة، تمامًا كما كلمة فنّان. أيّها المناضل المنتمي حين الإنتماء لا يدرّ وزارات ونيابات ووجاهات وسيّارات وقصورًا وبلاطًا. أيّها المناضل الفنّان المنتمي حين الإنتماء لا يدرّ إلاّ الحرمان العائليّ التقليديّ أو السجن أو التعذيب أو الطرد من الوظيفة أو التضييق في المهنة أو استدرار الدّم، وأحيانًا كثيرة كلّ تلك مجتمعة. أيّها المجبول بخميرةٍ هي إيّاها جبلت خليل حاوي وسعيد تقيّ الدّين، خميرة لا تقبل الزغل أو البين بين أو الأسباب التخفيفيّة أو أجزاء القيَم! "ما نسي العرزال" يا عمّو زكي، طبعًا، ولا نحن نسينا، ولكنّ الروح اللهّابة لا تطيق جسدًا ميتًا وأقفاصًا مفروضة أو مرتضَيَة. أنت في هدوء عطائك ورقّة مجالك الإنتاجيّ أكثر تمرّدًا من رَقَصة السلاح، وأنت في إشاراتك أكثر فاعليّة في التغيير من تجّار العقائد وصيّادي الفرص وصيارفة الشهادة! أنت في إيحاءاتك الشعريّة أصدق من فقهاء المحاضرات الببّغائيّة، وفي الأحاسيس التي تبثّ أبقى تحريضًا من أوامر المنفصمين! ثمّ أنت في فنّك العذب أغنى من مموّلي فنون الدولار ومسترزقيه ومرتزقته. يا سيّد نون الجمع وصوت الجماعة، ليست البطولة في البداية النقيًّة، فجلّ البدايات نقاء وطهر، ولكنّ البطولة هي في اختراق الحياة من ألِفها إلى يائها من دون تلوُّث. كثيرون، برغم الإنطلاقات النقيّة، يتعفّرون على الدرب بالشحتار وبوَحل المغريات. أمّا أنت فبدأت نقيًّا وفي سريرك الذي عدّ أنفاسَك وتباطؤَها، انطفأتَ أكثر إشعاعًا وصفاء ونقاء. ولا بأس إن ذكرتُ لمحبّيك بعضًا منك. فبقدر ما استعذبتَ قُبَلَ الصبايا وتقبيلهنّ، استهولتَ دومًا عادة تقبيل الرجال لبعضهم! وبرغم حبّك المجنون لأهل القرى والبلاد التي تهواك، رجالاً ونساء وأطفالاً وكهلة، كنتَ تنكمشُ وتتقلّص إذ تهجم الأجساد للسلام عليك والفوز بلمسة أو كلمة منك عند رؤيتك. كنت شفّافًا ولكن كم كان مضحكًا خوفُك من أن طيفَك ينكسر. ربّما لم تعرف حقًّا كم أنت جاذب للتبرّك، وكم أنّ أهل القرى، كالأرض، كلّهم إناث في العاطفة واللهفة والعقل والحبّ، مهما انفتل الزند واعرورقت الكفّ. ربّما لم تعرف يومًا كم أنت محبوب ومُراد، وكم أنت أيقونة متحرّكة، وكم أنت قدوة. ربّما لم يصلك مقدارُك فينا. فيا حبيبنا، لكثرة ما غنّيتَ السهلَ، أنْبَتَّنا!ا
 نديم محسن