روح الأرض في صبي البيادر

وانطفأ نغم الحنين فينا.

حافظ الفولكلور وخزينه.

المشهد الرائع لضياعنا في الجبل.

صفحة جمال من بلادي تنطوي فينا.

غنى الوطن والسهول والوديان والربى والغزلان.

مشى زكي ناصيف.

يا وجه الطيب والنقاء... شي منا انكسر فينا!

* * *

صبي السنوات الست، من مشغرة الى المدينة بيروت، في الجيب حبات تراب وبقايا زعتر من "فوق جبالنا"، في الخاطر رجع مواويل الحارة الفوقا من مشغرة. في الذاكرة مشهد الحصادين ودارسي القمح بين أغمار المواسم على بيادر البركة، وايقاعات الدبكة وأهازيج الفرح، وعبق القش والتبن الاصفر.

تحت العريشة، في العشايا، على سطح البيت الترابي، تحمل نسمات الصيف رجع  المنجيرة، حين تدور الريح من ناحية البيادر، مقابل الضيعة على كعب الجبل.

* * *

يكبر صبي البيادر معبأ الروح من ايقاعات الارض ونبض الفصول والمواسم، يكتشف الموسيقى العالمية من اذاعة موسكو، عبر صندوق راديو ذلك الزمان، سيمفونيات ومقاطع أوبرالية تنقله الى المقلب الآخر من ثقافة الدنيا.

من مشغرة الى محطة الشرق الادنى فالاذاعة اللبنانية الى فرقة الانوار وأدراج بعلبك... مئات الاغاني كتابة وتلحينا وصوتا في الوديان والسفوح والجبال لمجد لبنان وألوان الفصول، ونشيدا للحرية.

بامتياز كبير استلّ زكي ناصيف روح الأرض وايقاع المواسم والاعياد والعادات وأفراح الناس، ومن الطقوس السريانية القديمة ألحانا ومناخا، بصمة فرادة في اعادة صوغ روح فولكلور أصيل (طلّو حبابنا... هلّي يا سنابل...).

* * *

مشى زكي ناصيف، سمح القلب، محنيا بتواضع الطيبين وأصالة المغلوبين.

يبقى منه نغم وبسمة تواضع.

تحية زكي ناصيف، ورحلة طيبة على "درب الغزلان".

ميشال معيكي


الى مشغرة تعود خالداً

 "اعود اليك يا قريتي لأغمر في مروجك الزاهرات ربيع الوجود،

أعود اليك يا قريتي لألثم في ظلالك الهانئات بقايا البعيد،

ليالي الهنا في محانيك، بالندى تلتقي جمال الدنى، لمعات من فجرك الزنبق،

اعود اليك يا قريتي لاسمع من غدرانك الهازجات نشيد الخلود".

هذا ما غناه زكي ناصيف لمسقطه، ولكل بلدة لبنانية اشتاق اليها اهلها بعدما هجروها او ارغموا على ذلك، كما حدث لاهالي مشغرة.

لم ينس يوماً طفولته وايام الصبا. كان يتذكر بيادر القمح والمروج الخضراء وانواع المونة وعيون المياه ونجوم السماء وقمر مشغرة الذي لا ينسى..

ورغم ارتحاله، لم تغب تلك المشاهد من باله يوماً، بل توثقت في اغانيه وفي كل اعماله الفنية كلمة ولحناً، لتبقى مثله محفورة في العقل والقلب والوجدان.

وها انت تعود اليوم الى قريتك، الينا، نحن الذين افتقدناك في الفترة الاخيرة اذ اتعبتك السنون وحالت المسافات دون لقائنا بك.

كرمناك الصيف الفائت في ساحة الكنيسة التي احببت، في قلب مشغرة، وفي ضوء قمرها، وعهدنا يومذاك ان يكون مهرجاننا الذي بدأ بك مناسبة سنوية تعيد جمع ما انقسم وتقرّب المسافات. لم تكن حاضراً معنا بالجسد يومئذ، لكنك ستكون حاضراً بالروح مع كل صيف جديد ودورة جديدة من المهرجان، انت الذي تعاليت على الحواجز والمناطق ورموز التباعد.

لا اود تمجيد الشخص، بل الانسان الذي فيك. اجلّ القيم التي حملتها وجسّدتها في حياتك. سيخلد فنك الاصيل لانه لبناني في الصميم، ولأنه اغتسل بآلام داخلية لم تفصح عنها حتى للاقربين يوم استعملت ضدك الوسائل الرخيصة ولم تشأ الرد، والذين عرفوك قالوا انها الشيم البقاعية والعائلية التي تسمو وتترفع.

ها انت اليوم تعود الى مشغرة لتستقر فيها. سنظل نتذكرك، فهنا ولدت، وهنا ترقد خالداً. لبيادر مشغرة غنيــت، لربيعها وللوجوه التي احببت.

استاذ زكي، ها انت اليوم تعود الى مشغرة وسيفرح قمرها الذي سيحرسك كل يوم، وسيدمع، وسيعلن خسوفه حداداً، فهو لن يشاهد وجهك الطفولي ثانية.

غسان حجار