غاب زكي ناصيف، ذلك ان الزمن لم يعد زمن الكبار

محمد أبي سمرا،  الملحق الثقافي، النهار
لم يكن زكي ناصيف واحداً من الموسيقيين اللبنانيين الذين يمكن نسيانهم بسهولة. اقله بالنسبة الى الموسيقيين والعارفين بالموسيقى. اغانيه شهدت انتشاراً واسعاً، وهو، فضلاً عن موسيقاه وألحانه، كان يملك صوتاً عريضاً يمكّنه من ان يتجول في أرجاء المقامات من دون اي جهد. لكن ذلك ليس وحده ما يميز ناصيف. لقد كان الموسيقي الراحل رائداً ومؤسساً بين قلائل صنعوا للموسيقى العربية بعض اساسيات لغتها الرائجة اليوم. لن نتحدث عن أغانيه ورقّة الكلمات التي غناها وملاءمة الألحان لهذه الكلمات، فهذه تكاد تكون محط اجماع عام. ربما يجدر بنا التحدث عن أثره في الموسيقى التي راجت من بعده. كثيرون قد يعتبرون ما يجري اليوم في المشهد الموسيقي انحطاطاً لا مثيل له. أغان تروج وتنطفىء في سرعة قياسية، ومطربون يختفون بلمح البصر. لكن هذا كله يشير إلى جانب مهم يكاد لشدة انتشاره يبدو نافلاً وغيرذي معنى. لا شك ان الذين يلمّون بالموسيقى اليوم، هم اكثر عدداً وأوسع انتشاراً من الملمين بالموسيقى في زمن ناصيف وفي شباب وديع الصافي وصباح. لكن هذا لا يعفي المرء من ملاحظة ان الألحان التي تخرج اليوم إلى الأسماع على سهولتها وبساطتها وسذاجتها، في كثير من الأحيان، تشير إلى سهولة الاشتغال بالموسيقى والتلحين. واحسب ان ناصيف واحد ممن يسّروا المقامات الموسيقية وجعلوها ايسر مورداً وإن لم يقرّبها الابتذال مع ناصيف ومجايليه الكبار من اي جهة او على اي نحو. على نقيض ما نسمعه اليوم ونشاهده من أغان مبتذلة وقليلة المدى.
زكي ناصيف، جعل اللعب على البيات والسيكاه سهلاً وميسراً. جعل البيات خبزاً يومياً يمكن المرء تناوله بسهولة وفي كل حين. وهو إذ قام بهذه المهمة الجليلة والدقيقة، فإنما جعل الموسيقى الشرقية في ابرز مقاماتها واكثرها انتشاراً سهلة التناول وتستطيع ان تطرق كل الآذان. بعض ارثه ان العاديين وغير الموهوبين جعلوا يكتبون الموسيقى في سهولة ويسر واكتفوا من الموسيقى بهذا الإرث ولم يطوروا او يبدلوا او يبتكروا. زكي ناصيف جعل الموسيقى اليفة، لكن الذين اتكأوا على انجازاته الكبرى جعلوا يكررون انجازه الكبير إلى درجة اننا اليوم نستطيع كلنا ان نكون "ملحّنين".

غاب زكي ناصيف، ذلك ان الزمن لم يعد زمن الكبار. وهو في غيابه يسترنا من فضائحنا. ويغيب شاهد كنا إلى هذا الحد او ذاك نخشى حضوره ونخجل أمام تاريخه، فالمكرِّمون لم يتورعوا عن تكريم من هبّ ودبّ. هل يسعنا نحن الذين كدنا نيأس مما آلت إليه الذائقة العامة، إلاّ ان نمتلك الجرأة الأدبية اللازمة لتكريم ناصيف ولو بعد غيابه!

محمد أبي سمرا،  الملحق الثقافي، النهار


رحيل زكي ناصيف
ناسك الموسيقى وشاعرها

عناية جابر  جريدة السفير 2004/03/12
في زمن تردي كل شيء، خصوصا الفن، تبدو خسارة الكبار مُضاعفة، ويبدو رحيلهم صفعة بالغة الوجع، ذلك ان الراهن لا يعدنا ببدائل شبيهة، ولا بأنصاف البدائل. الفنان زكي ناصيف من كبارنا. من كبار كبارنا، رحل أمس عن 88 عاما (1916) قضاها في خدمة الفن موهبة وعطاء وتميزا.
لرحيل زكي ناصيف طعم خاص، ومذاق شديد المرارة، من رهافة هذا الفنان الذي محض تراثنا الفولكلوري (الميجانا والدلعونا) رقيا ورفعة. من روحه استل روح الفولكلور اللبناني، ومن <<الشروقيات>> الحزينة الطابع في صوت أمه الجميل، طبع نتاجه في بناء أغنية لبنانية أصابت عقول وأفئدة اللبنانيين، وجذّرت حضورها في حياتهم العامة.
عمل ناصيف على تقريب الفولكلور من الذائقة الحديثة، ساميا بها عن التداول الرخيص، والنسيان البائن، فاردا لها مساحة في عقول وقلوب الجيل الجديد، حتى تبارى في غنائها صبايا وشبان مشدودون الى تقنيتها المسبوكة ورشاقة صياغاتها، والروح الشفيفة لزكي ناصيف الحاضنة للأغنية، والمانحتها خصوصية شاعرية يقصَّر عنها أغلب المشتغلين في هذا المجال.
مسيرته الفنية التي بدأها باتقان العزف على العود وثم التتلمذ على عزف البيانو مع أستاذة تشيكية متخصصة بسوناتات بيتهوفن، كذلك مع عازف الأرغن روبييار، في حدها الأكثر حنانا، تلطَّى خلفها رجل وهبها عمره، تماما كما تقتضيه هذه الجملة من دون زيادة ولا نقصان. وهب ناصيف الفن عمره فعزف عما يلهيه عنه. بقي فردا مفردا في الحياة كما في الفن. هذا يذكَّرنا قليلا بملامح من حياة ألكسندرا بدران (نور الهدى) التي بدورها، شاءت حياتها كلها للفن وحده، من دون رفيق سواه.
في ظاهرة الشبان الجدد، الساعين الى بلورة أصواتهم في البرامج التلفزيونية المختصة، بدت طواعية تلك الأصوات تامة حيال نتاج زكي ناصيف الفني، على صعيد اللحنوالاقتباس الشعري. بيد انها بقيت دون ان تدرك بساطة الجمال في صوته، بقيت أصوات الشباب مقصَّرة عن ادراك سر العلاقة بين الروح والغناء، ودون ان تعرف مغزى شباب صوت ناصيف، الذي حمَّله طفولته، الى آخر يوم من حياته.
رحل زكي ناصيف تاركا مئات الأغنيات والقطع الموسيقية. وهو أحد الخمسة الكبار (العصبة) في تاريخ الموسيقى اللبنانية، تيمنا حرفيا بالخمسة الكبار في تجربة الاتحاد السوفياتي السابق: توفيق الباشا وزكي ناصيف والأخوين رحباني وصبري الشريف، الى جانب توفيق سكر الذي قيل فيه بأنه قصَّر عن مستواهم، او ان ضرورة اكتمال عقد الخمسة حجبت حضور الأخير من وسط هذه الثلة من الأسماء الكبيرة