مأتم رسمي وشعبي لزكي ناصيف ولحود قلّده وساماً

كلاس: ترهّب للموسيقى وزهد بالدنيا  

اقيم قبل ظهر امس مأتم رسمي وشعبي للفنان الراحل زكي ناصيف في مطرانية الروم الكاثوليك، طريق الشام. ومثّل رئيس الجمهورية وزير الدولة ميشال موسى، ورئيس مجلس النواب النائب نبيل دو فريج، ورئيس مجلس الوزراء وزير المال فؤاد السنيورة. وحضر الرئيس الياس الهراوي والرئيس رشيد الصلح، ومثل نائب رئيس مجلس الوزراء الزميل كريستيان اوسي ووزير الاعلام المدير العام لوزارة الاعلام حسان فلحة، وقائد الجيش العقيد اسعد مخول، والمدير العام للامن العام العميد غطاس شويري. وحضر ايضا المستشار الاعلامي في رئاسة الجمهورية رفيق شلالا، مستشار رئيس مجلس الوزراء داود الصايغ، الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني السوري نصري خوري، الوزير السابق الياس حنا، النائبان السابقان  جميل شماس وبيار دكاش، مدير اذاعة لبنان فؤاد حمدان، نقيب الصحافة محمد بعلبكي، الامين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي، رئيس الرابطة اللبنانية للروم الكاثوليك مارون ابو رجيلي، رئيس المعهد الاعلى للموسيقى الدكتور وليد غلمية، رئيس جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى الياس ناصر، وحشد من الفنانين والشعراء والفاعليات السياسية والاجتماعية والنقابية والدينية، واهالي بلدة مشغرة والجوار وحشد من قرى البقاع وافراد عائلة الفقيد.  

كلاس

ترأس الصلاة راعي ابرشية بيروت لطائفة الروم الكاثوليك المطران يوسف كلاس يعاونه لفيف من المطارنة بمن فيهم المعاون البطريركي سليم غزال، والقى كلاس كلمة جاء فيها: "من لي بمساكنك يا رب القوات، تذوب نفسي شوقا الى ديار الرب ويهتز قلبي وجسمي للاله الحي (مزمور، ،1 83)". بمثل هذا التوق الى الله ودع زكي ناصيف حياة الارض، كما يودع الراهب النهار ساعة تترك شمس المغيب شالها الشاحب على ايقونة السيد المحب البشر.
ومن لي انا الفقير فنيا بانصاف زكي ناصيف الذي تعاون في وداعه جميع الفنانين والشعراء والملحنين مع جميع الاذاعات المسموعة والمرئية وجميع الصحف والجرائد، وجميع القادة والمربين وجميع ابناء الشعب الوفي، له، واعلنوا انهم فقدوا شخصية ثرية بالفرائد الدرية.
من لي بانصاف زكي بن شاكر ناصيف ورشيدة ابرهيم، المولود في مشغرة عام ،1916 في بيئة بقاعية، غنية بالتقاليد الروحية والاجتماعية والفنية، والمتعرض منذ طفولته لمحنة في الصحة، رافقته كل الحياة، وطبعت خلقه في شكل دائم. لقد تحول الى بيروت ونهل من مناهل مختلفة علما وادبا وفنا وذوقا. وفيها شغف بالموسيقى حتى انه ترهب لها فترك كل شيء لأجلها: التجارة ورزقها، والعلوم الجامعية ومنفعتها، وراح يتنقل متتلمذا لفنانين فرنسيين واميركيين وروس، منتقيا الرحيق حيثما طاب له، ومنصبّاً على اتقان فنه اداء ولحنا. ومن بعدها توجه الى العمل في اذاعة الشرق الادنى، والاذاعة اللبنانية، وانتسب الى عصبة الخمسة، وشارك في الانتاجات الفنية المتجددة، مسهماً في مهرجانات بعلبك ومطلقا الفولكلور اللبناني انطلاقة جدية رائدة ومعلما في المعهد الموسيقي. ثم معانيا الكثير خلال احداث لبنان، هاربا من بيت الى فندق الى شاليه، ومستقرا في بيته الابوي استعدادا لملاقاة ربه.
من لي بانصاف شخصيته وجمعه في ذاته فنونا وآدابا وتقنيات عديدة، اذا ما تداخلت ابرزت نوعا من الفن لا يخطئ احد بنسبه اليه، بعدما صار هو اغنية  ذاته. لقد شق طريقه في كثير من العناد. فأصبح رائدا في التمايز والتناسق والجمال، بقي طوال حياته مترفعا لا يساوم ولا يتنازل ولا يخاصم في مجالات يصعب التنافس فيها.
من لي بانصاف من تجاوزت انتاجاته ثلاثة آلاف اغنية، خصص منها الكثير لتمجيد الله وللصلوات المتواضعة الصادقة. من لي بانصاف من لم يترك كنيسة الا خدم فيها ولا طائفة الا شاركها ضراعتها.
 ومن لي بانصاف من كرّمه معارفه واولياء الامر بأوسمة تجاوز عددها الخمسة عشر وكان منها الوسام البطريركي الاورشليمي ووسام الارز برتبة ضابط.
لا، لا يمكنني الانصاف واترك للتاريخ ان يحكم بابداعه، ويستنير بالهاماته، ويتمثل بمناقبه، ويقيمه  مثالا للاجيال الصاعدة، في الصدق والمسالمة، والمحبة والاخلاص، والتوثب الدائم الى النهوض، والايمان والتفاؤل بمستقبل الوطن، ولاسيما عندما تمر بالمصاعب والامتحان.
لا يمكنني انصافه، انما اتوجه اليه توجه الاب الروحي. لأختم على حياته انها سارت بهدي الانجيل، واعلن انه جاهد الجهاد الحسن واستحق اكليل المجد، وينال اليوم مكافأته الواجبة.
طوبى لك يا اخانا لأنك بموتك نلت نصيبك في وليمة ملكوت الله، بعدما حفظت الايمان، وثمرت مواهبك مئة ضعف، وجاهدت وصبرت وغفرت واحببت، وتقبلت زاد المدنفين(...).
ترهبت للموسيقى وزهدت لله، بين الصخب والمغالبة وهموم الدنيا(...).
لقد زهدت بالدنيا ومباهجها ومارست الفقر مكتفيا بما يكفي لضمان العيش، حتى بلغت احيانا الحاجة الى الاستشفاء والدواء، يؤمنها لك اصدقاء محبوبون، ومؤسسات اعلامية اكبرت عطاءك. وما نفع الفقر ان لم يتحول عند صاحبه الى عطاء يغني الآخرين. فرحت بانتاجك الغزير تعطي من دون حساب، وتنفع بعطائك كل ابناء لبنان.
حبست ذاتك عن الزواج متبتلا طول الحياة لتكون حبيبا لفنك وقريبا من كل الناس فالحب اذا تصعد ازداد، قوة وجمالا واتساعا، لقد اطعت الله في ما قسم لك وقبلت الاعاقة المزمنة والآلام، والمشاكسة والمعارضة، ببسمة المحب، فجعلت من مرارة الحياة بوتقة، صهرت فيها ذهب جمال نفسك ورونق انتاجك. فمنحك الله سكينة لا تضطرب، وفرحا لا يذبل، ووداعة لا تقهر، ورجاء لا يخزى.
جميعا مدينون لك بأفراحنا وتشامخنا وصبرنا وعنفواننا وكثير من تقوانا، وبعد ان جعلت حياتك برمتها صلاة ترفعها الى رب الاكوان، وبعد ان سمعت الرب يجلجل صوته في اعماقك، ويهديك في دروب الصلاح، ويطفئ ظمأك الى كل جمال وخير، ويخفف عليك قسوة الحياة ومرارتها، ويعزي قلبك في الانواء نصلي الآن في غيابك من اجل ان يتقبلك الله في اخداره السماوية ويشركك في وليمة الملكوت، حيث لا ينقطع لحن المعيدين ولا تزول لذة المشاهدين جمال وجه الرب".
وختم المطران كلاس كلمته شاكرا رئيس الجمهورية اميل لحود والرئيس السوري بشار الاسد ورئيسي مجلس النواب والوزراء وممثليهم والشخصيات الرسمية والاجتماعية، حسن مواساتهم وعظيم تقديرهم وتقدم من اهل الفقيد بالتعازي.
ثم القى رئيس جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى ونقابة الفنانين المحترفين الياس ناصر، كلمة عدد فيها مزايا الفقيد وعطاءاته في خدمة الفن طوال حياته والقى قصيدة بالمناسبة.
بعد الصلاة قلد الوزير موسى الفقيد باسم رئيس الجمهورية وسام الارز الوطني من رتبة ضابط والقى كلمة قال فيها: "باسم رئيس الجمهورية الذي كلفني تمثيله اضع على نعشك في يوم وداعك وسام الارز الوطني من رتبة ضابط اكبر واتقدم من عائلتك بأحر التعازي".
وكان الرئيس لحود قد ارسل صليبا من الزهر تقديرا لعطاءات الفقيد وانجازاته.

ثم نقل جثمان الفقيد الى بلدته مشغرة حيث ووري الثرى في مدافن العائلة على وقع موسيقى قوى الامن واغاني الراحل.
يذكر ان الرئيس رفيق الحريري قدم تعازيه قبل ظهر امس لعائلة الراحل في المطرانية.
والقى غلمية كلمة قال فيها: "ستبقى لنا كتابا موسيقيا يعلمنا الاصالة والفرح، ستبقى لنا دربا مضيئا يوصلنا الى الف الف ابداع، ستبقى لنا مزمورا نرتله عند كل صلاة، ستبقى لنا مؤسساً لمدرسة لحنية نغمية مشرقية تمدّنا بالنبر والنبض والجمال. ستبقى لنا مرجعا موسيقيا نعود اليه عند كل انهيار ذوقي او ابداعي. ستبقى حجر زاوية في بناء كل بيت موسيقي وانساني، ستبقى لنا انشودة حب وطمأنينة.
من اجل ذلك نردد قائلين" يا ايتها النفس المطمئنة عودي لربك راضية مرضية".